ورقة بحثية : قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في ليبيا.. الحماية المفقودة والعقوبات المشددة

05/09/2023

يستمر المأزق السياسي والأمني في ليبيا، وقد أشارت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة المتعاقبة بشأن ليبيا المقدمة إلى مجلس الأمن الدولي إلى استمرار تقليص الحيز المدني في ليبيا، حيث تستخدم الجهات الأمنية أساليب عدوانية استخدامًا متزايدًا لترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان والجهات الفاعلة في مجال العمل الإنساني، وتحتجزهم تعسفيًّا. وتزايدت الهجمات على حرية الدين والرأى والتعبير، واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان جسديا ولفظيا بعدة سبل منها الإنترنت، بسبب ممارستهم السلمية لحقهم الأساسي في حرية التعبير.

ووفقًا للتقرير الأخير للبعثة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا المقدم لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مارس 2023” يمثل التسلل السريع والعميق والمستمر للجماعات المسلحة وقياداتها في هياكل الدولة ومؤسساتها (وتلك التابعة لها)، بما في ذلك القوات المسلحة العربية الليبية، وانتشار الأيديولوجيات المحافظة السلفية -مصدر قلق كبير للبعثة، ووجدت البعثة أن سلطات الدولة والكيانات التابعة لها، على غرار جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، والقوات المسلحة العربية الليبية، وجهاز الأمن الداخلي، وجهاز دعم الاستقرار، بالإضافة إلى قياداتها، قد شاركت مرارًا وتكرارًا في الانتهاكات والتجاوزات التي نشأت في سياق الاحتجاز. واحتُجز الأشخاص لأسباب عدة، منها انتقادهم الدولة والجماعات المسلحة التابعة لها، والتعبير عن وجهات نظر وأعراف سياسية ودينية واجتماعية مختلفة”

وأشار التقرير إلى التوسع في القيود على الحق في التعبير والتجمع السلمي “تابعت البعثة التحقيق في الانتهاكات التي تطول الحق في التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات وحرية المعتقد في ليبيا. وشددت تحقيقات البعثة على أن السلطات الليبية، ولا سيما جهاز الأمن الداخلي الليبي، تُقيّد الحق في التجمع وتكوين الجمعيات والتعبير وحرية المعتقد، وذلك من أجل ضمان الطاعة، وترسيخ القيم والمعايير التي تخدم مصالح شخصية، والمعاقبة على انتقاد السلطات وقياداتها. ويُعد جهاز الأمن الداخلي مؤسسةً مدنيةً في الدولة الليبية، ويمتد اختصاصه على كامل أراضي البلد، ويُقال إن مقره الرئيس يقع في طريق السكة في طرابلس. وتَبيَّنَ للبعثة أن فروع جهاز الأمن الداخلي تعمل تحت تأثير السلطات في شرق ليبيا وغربها، تبعًا لموقعها”.

كما أكد التقرير “تَعارُض التشريعات مع الحريات الأساسية. يجوز تقييد الحق في إظهار المعتقد وحرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع شرط أن يكون ذلك ضروريًا ومُبرَّرًا ومتناسبًا. وتتعارض بعض المصطلحات المبهمة المستخدمة في التشريع الليبي مع الحق في حرية التعبير، ما يتطلب أن تكون القوانين دقيقة بما يكفي لتمكين الفرد من تنظيم سلوكه” . على سبيل المثال، ينص قانون العقوبات الليبي على عقوبة الإعدام عند وجود أي “نظريات أو مبادئ” تهدف إلى الإطاحة بنظام الدولة السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وتُهين دين الدولة . وبصورة مماثلة، ينص قانون الاتصالات على أن نشر المعلومات والبيانات التي “تمس الأمن السياسي، أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الموروث الثقافي للمجتمع العربي الليبي” هو أمرٌ يستوجب العقاب”.

وقد جاء في الاستنتاجات المفصّلة للبعثة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا أن: “أعربت البعثة عن قلقها إزاء قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، والذي قد يؤدي إلى تفاقم القيود المفروضة أساسًا على الحيز المدني على الإنترنت الذي يخضع لرقابة مشددة. ويمنح القانون السلطات الليبية صلاحيات تقديرية واسعة لتقييد حرية التعبير والرأي والمعتقد عبر الإنترنت وتجريمها على أساس “النظام العام والآداب العامة”.

وطالبت منظمة هيومان رايتس واتش في 3 إبريل/ نيسان 2023 بسحب قانون الجرائم الإلكترونية الذي وصفته بـ”القمعي” مؤكدة أنه “ينبغي أن يتمتع الليبيون بالحق في حرية التعبير على شبكة الإنترنت أو خارجها. ليس من المقبول التعدي على هذا الحق باسم مكافحة الجرائم الإلكترونية”.

وأعربت الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب LCW في 17 نوفمبر 2022 عن قلقها من بنود قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي سيساهم بشكل كبير في تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب، وسيعرض المدافعين عن حقوق الإنسان في ليبيا وخارجها لمخاطر أكبر. وأكدت الشبكة أنه “يشكل هذا القانون وطريقة تمريره والمصادقة عليه خرقًا واضحًا لأهم مبادئ قانون حقوق الإنسان الدولي، حيث يقيد حقوقًا أساسية كحرية الرأي والتعبير والحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات والمشار إليها في بنود إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان. كما يعطي القانون للهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات الحق بالاعتداء بموجب هذا القانون التعسفي على الخصوصية، ويسمح للأجهزة الأمنية والحكومية القمعية بالتمادي في جرائم تحدث في السياق الليبي الحالي في ظل انعدام حكم القانون وذلك بانتهاك خصوصية الأفراد والمجتمعات المستضعفة لاستخدام شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي بمراقبة وجمع ومشاركة المعلومات حول انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها عناصر تتبع الدولة ومجموعات مسلحة أخرى”.

وطالب مركز مدافع لحقوق الإنسان و18 منظمة حقوقية بالإلغاء الفوري لقانون الجرائم الإلكترونية، وطالبوا مجلس النواب الليبي بإلغاء القانون رقم (5) لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية الصادر في 27 سبتمبر 2022. كما تدعو السلطات الليبية إلى عدم تطبيقه بسبب مساسه المباشر بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وعلى رأسها الحق في حرية التعبير والرأي والحق في حرية التجمع السلمي، بالإضافة إلى الحق في الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية. كما يقنن هذا النص الرقابة الشاملة للسلطة التنفيذية على الفضاء الرقمي دون إذن قضائي مع إمكانية حجب المواقع والمحتوى.

وتسعى هذه الورقة إلى فحص وتحليل نصوص وأحكام قانون الجرائم الإلكترونية وتأثيره في الحقوق والحريات وعلى الأخص حرية الرأى والتعبير وحرية حركة وعمل منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتتناول الورقة السياق القانوني والقضائي الذي يجرى في ظله تطبيق هذا القانون.

0 ردود

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *