مركز مدافع يصدر “دليل المحامين في قضايا التعذيب”

,

 

13-08-2023

لماذا دليل المحامين في قضايا التعذيب ؟

لا تزال ممارسات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية مستمرة في ليبيا بصورة ممنهجة وعلى نطاق واسع. ففي فترة حكم القذافي، أفرطت الأجهزة الأمنية في استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات ولتخويف وإسكات الخصوم السياسيين أو أولئك الذين كان يُنظر إليهم على أنهم تهديد للنظام الحاكم. وتعد مذبحة سجن “أبو سليم” واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ ليبيا الحديث؛ فقد راح ضحيتها ما يزيد على ألف سجين إثر إطلاق النار العشوائي عليهم من قبل قوات الأمن وحرس السجن. كما استُعملت كثير من وسائل التعذيب على قطاع عريض منهم، منها العنف المفرط والصدمات الكهربائية والإيهام بالغرق والاعتداءات الجنسية. وهذا بلا شك أدى إلى تفشي عمليات القتل خارج إطار القانون والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، التي أسهمت في خلق مناخ من الخوف والقمع لإحكام قبضة القذافي على مقاليد السلطة في البلاد. ( للإطلاع على دليل المحامين )

 

وفي أعقاب ثورة 17 فبراير 2011، وبالرغم من مطالبات المنظمات الحقوقية والساسة بضرورة احترام الحق في سلامة الجسد، ازدادت وتيرة التعذيب بفعل الاحتراب السياسي وانتشار الجماعات المسلحة وسيطرتها على مناطق متفرقة من البلاد واستخدامها التعذيب ليس فقط في مواجهة معارضيها، بل امتد ليشمل الفئات المهمشة في ليبيا كالمهاجرين وطالبي اللجوء. هذا بجانب القصور الكامن في الأطر التشريعية لمناهضة التعذيب، والغياب شبه التام للمؤسسات القضائية بما يكفل الإفلات من العقاب، بالإضافة إلى عوامل أخرى، أسهمت بلا شك في عدم إيجاد آليات وسبل إنصاف فعالة حمايةً لضحايا التعذيب وسوء المعاملة.

 

وتلتزم الحكومة الليبية بعد مصادقتها على اتفاقية مناهضة التعذيب بمواءمة تشريعاتها بما يتوافق مع الحد الأدنى من الحماية المقرر بموجب الاتفاقية، ومكافحة الإفلات من العقاب بواسطة تجريم التعذيب وكل أشكال سوء المعاملة، مع توفير سبل انتصاف فعالة وتعويضات مناسبة لضحايا التعذيب وأسرهم، لكن البنية التشريعية الوطنية قد خلت من أي نص عقابي بخلاف نص وحيد، ورد بقانون العقوبات، ولا يكفي لحماية ضحايا التعذيب، ويعزز الإفلات من المساءلة. وبعد صدور القانون رقم 10 لسنة 2013 بشأن تجريم التعذيب، الذي حاول معالجة الخلل في التشريع الوطني؛ إلا أنه قد خلا من تعريف منضبط للتعذيب كما هو وارد في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ظروف سوء المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة أو اللاإنسانية. كما أغفل القانون النص على عدم جواز سقوط الدعوى الجنائية والمدنية الناشئة عن التعذيب بالتقادم، بجانب خضوعها ومرتكبيها للعفو، بما يسمح بإفلات الجناة من العقاب، كما لم ينص القانون على إبطال أي أقوال أو اعترافات يثبت الحصول عليها تحت وطأة التعذيب. بالإضافة إلى أن عدم التنصيص على إلزامية حضور المحامي في جميع مراحل دعوى التعذيب بما يوفر قدرًا أكبر من الحماية للضحايا والناجين. كما لم يحظر القانون استيراد أجهزة التعذيب وتجريم صناعتها.

وبسبب ضعف البنية التشريعية وعدم توفير الحد الأدنى من الحماية للحق في سلامة الجسد، أصبح التعذيب سلوكًا ممنهجًا تمارسه جل الجهات المشرفة على مراكز الاحتجاز، ومنها تلك المخصصة للمهاجرين وطالبي اللجوء، مخلفًا عددًا من ضحايا التعذيب لا يمكن حصرهم، وهذا الأمر الذي دفع مركز مدافع لحقوق الإنسان، عام 2020 لإطلاق برنامج إعادة تأهيل وإدماج ضحايا التعذيب بسبب النزاع الدائر في ليبيا، وتقديم المساعدة القانونية لهم عبر شبكة من المحامين والنشطاء الداعمين للناجين من التعذيب، تُعنى بتوثيق حالات التعذيب والمساهمة في تقديم الدعم والتمثيل القانوني للضحايا الراغبين في الوصول لسبل الانتصاف عبر طرق أبواب الآليات الوطنية القضائية والدولية من أجل محاسبة الجناة. وقد لاحظ مركز مدافع من خلال عمله عن قرب مع المحامين والمدافعين الساعين لتقديم المساعدة القانونية للضحايا – وجودَ حاجة ماسة إلى إصدار دليل قانوني لمساعدة المحامين العاملين على قضايا التعذيب والمنخرطين في تقديم المساعدة القانونية لضحايا النزاع؛ وذلك بهدف توفير المعرفة القانونية اللازمة لكافة العاملين في هذا المجال، من خلال شبكة مركز مدافع، أو لغيرهم في كافة أنحاء ليبيا ممن يحتاجون لبناء قدراتهم والتعرف على الإجراءات القانونية المتبعة، والاتفاقيات، والآليات الدولية ذات الصلة. كما يتطلع مركز مدافع إلى تمكين كافة محامي ليبيا من الاستفادة من هذا الدليل القانوني الذي يوفر نسخة إلكترونية كاملة منه عبر موقعه الإلكتروني. (لتحميل الدليل )

 

كما يهدف هذا الدليل إلى مساعدة المحامين الليبيّين الجنائيين والحقوقيين على توثيق مزاعم التعذيب وسوء المعاملة وتقديم المساعدة القانونية للناجين وأسر الضحايا، وتمكينهم من استخدام سبل التقاضي الدولي بسبب عدم فاعلية الأجهزة الأمنية ومرفق القضاء في محاسبة المسئولين عن جرائم التعذيب،  ويهدف الدليل أيضا إلى معالجة المثالب التشريعية في القانون الليبي ووضع حلول لها لتحسين حالة الاحتجاز ولتعزيز مساءلة الجناة وعدم إفلاتهم من العقاب.

 

يتناول الفصل الأول من الدليل أبرز المواثيق الدولية والإقليمية المعنية بمناهضة التعذيب، وأخصها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1984 لوضعها نهجًا شاملًا يتعين على الدول سلوكه لمنع التعذيب، وذلك عن طريق التحقيق في مزاعم التعذيب دون إبطاء ومقاضاة المسئولين عنها، بجانب زيادة الوعي بمسألة التعذيب وآثاره البدنية والنفسية على ضحاياه، وتدريب موظفي إنفاذ القانون على احترام ثقافة حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في سلامة الجسد وعدم التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية.

 

وفي هذا الجانب، يتطرق الدليل إلى العناصر الأساسية المكونة لجريمة التعذيب في القانون الدولي وكيفية تفسيرها من قبل المحكمة الجنائية الدولية؛ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان؛ وهيئات معاهدات الأمم المتحدة. كما يناقش كيفية تحديد مسئولية الجماعات المسلحة والمليشيات، وغيرها من الأطراف غير الحكومية الأخرى التي تورطت بلا شك في جرائم التعذيب.

 

ويقدم القسم الثاني من هذا الفصل تحليلًا للقانون رقم 10 لسنة 2013 وكيفية تطبيقه أمام المحاكم الوطنية، مع بيان ما به من إيجابيات ومثالب وسبل تفاديها. كما يتناول أوجه التفرقة بين جريمة التعذيب وجرائم الاعتداء الأخرى، كالضرب المفضي إلى الموت أو الاحتجاز دون مبرر مشروع، التي طالما يُساءل بها مرتكبو التعذيب لعدم مساءلة الدولة سياسيًا وقضائيًا عنها، ولكونها تنطوي على عقوبات أخف من تلك المقررة للتعذيب.

 

ويتعلق الفصل الثاني بأساليب التعذيب وسوء المعاملة الأكثر شيوعًا، وذلك من واقع بروتوكول إسطنبول، والقرارات الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان ضد الحكومة الليبية. ويلقي الفصل الثالث الضوء على المهارات والمبادئ الأساسية لعقد اللقاءات ولائحة استرشادية بالأسئلة التي يمكن توجيهها للناجين من التعذيب، وكيفية توثيق المعلومات والأدلة لأغراض التقاضي.

 

وأخيرًا يتناول الفصل الرابع سبل الانتصاف على المستويين الوطني والدولي، ويتطرق الجزء الأول منه لدور القضاء الوطني في حماية ضحايا التعذيب بدءًا من اختصاصه بالرقابة على أماكن الاحتجاز وتلقي البلاغات والتحقيق فيها، مع ضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وذلك كخطوة أولى يتعين على المحامين اتخاذها قبل استخدام آليات التقاضي الدولية والإقليمية صاحبة الاختصاص بالفصل في الشكاوى والبلاغات الفردية المقدمة ضد الحكومة الليبية، التي يعرض لها الجزء الثاني، مع بيان كيفية تقديم البلاغات إليها وإجراءات نظرها، وأسس الفصل فيها. كما يناقش أيضًا إمكانية استخدام قانون حماية ضحايا التعذيب لإقامة دعاوى مدنية أمام القضاء الأمريكي بغية الحصول على تعويضات مادية من المتورطين في مزاعم تعذيب؛ الذين لهم محل إقامة معلوم بأي من الأقاليم الخاضعة لاختصاصه.

لتحميل دليل المحامين في قضايا التعذيب

مركز مدافع لحقوق الإنسان 

 

1 عدد الردود
  1. طارق لملوم
    طارق لملوم says:

    جزيل الشكر لجهودكم الدليل مهم للغاية ونتمنى يكون هناك مزيد من الشروح والتشجيع على الاطلاع على الدليل , نقترح يتم تصميم ” برومو” بسيط فيديو يتحدث على الدليل , تحياتي

    رد

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *